ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
99
الوشى المرقوم في حل المنظوم
ولم يتوقف ابن الأثير عند تعريف السجع هذا على إطلاقه ؛ لكنه اشترط لحسن الكلام المسجوع أن يكون صافيا « من الغثاثة والبرد فإن وراء ذلك مطلوبا آخر وهو أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مموه على باطن مشوه ويكون مثله كغمد من ذهب على نصل من خشب . . . وسأبين لك في هذا مثالا تتبعه فأقول إذا صورت في نفسك معنى من المعاني ثم أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع ولم يؤاتك ذلك إلا بزيادة في ذلك اللفظ أو نقصان منه ولا يكون محتاجا إلى الزيادة ولا إلى النقصان إنما تفعل ذلك لأن المعنى الذي قصدته يحتاج إلى لفظ يدل عليه وإذا دللت عليه بذلك اللفظ لا يكون مسجوعا إلا أن تضيف إليه شيئا آخر أو تنقص منه فإذا فعلت ذلك فإنه هو الذي يذم من السجع ويستقبح لما فيه من التكلف والتعسف وأما إذا كان محمولا على الطبع غير متكلف فإنه يجيء في غاية الحسن وهو أعلى درجات الكلام ، وإذا تهيأ للكاتب أن يأتي به في كتابته كلها على هذه الشريطة فإنه يكون قد ملك رقاب الكلم يستعبد كرائمها ويستولد عقائمها . . . » « 1 » . إن ابن الأثير يؤكد أن استخدام السجع لا بدّ أن يكون مرتبطا ارتباطا وثيقا بالطبع ؛ بل إنه يذم أولئك المتكلفين في استخدامه ، واضعا له « قواعد وشروطا ، منها أن تكون كل واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملة على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه أختها ، فإن كان المعنى سواء فذلك هو التطويل بعينه ، ومنها أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعا للمعنى ، ويحمل على ابن العميد وابن عباد والحريري وغيرهم ، ثم يعمد إلى بيان فضله ؛ فيورد من كلامه أمثلة يريد أن يحذى حذوها ، ويأتي بسجعات تمت على رأيه شروط السجع فيها » « 2 » موضحا ذلك في قوله : « وقد أمسك القلم قوم رضوا من الكتابة بتحسين السطور ، وإذا أتى أحدهم بشئ من السجع فذلك هو الكاتب المشهور ، وهؤلاء قصروا هممهم على الزيف دون اللباب ، ولم يعلموا أن القشر لأهل القشور ، واللب لذوي الألباب « 3 » .
--> ( 1 ) المثل السائر 1 / 198 . ( 2 ) دراسات في الأدب والفن لحنا نمر / 119 . ( 3 ) انظر ص 251 و 252 .